09 - 02 - 2026

هل «حكم الفرد» هو المصير الحتمي للثورات؟ | تفكيك فرضية الاستبداد بوصفه نهاية طبيعية للمسار الثوري

هل «حكم الفرد» هو المصير الحتمي للثورات؟ |
تفكيك فرضية الاستبداد بوصفه نهاية طبيعية للمسار الثوري

لا بد من التأكيد في البداية على أن هذا نقاش جاد مع المفكر والكاتب الكبير، والصديق العزيز، الأستاذ أحمد الجمال، حول مقاله المعنون بـ«ملاحظة تاريخية مذهلة حول يناير 2011». وهو نقاش لا ينفي ولا يقلل من الإعجاب بالكثير مما يكتبه الأستاذ، ولا من حرصي الدائم على مطالبته بالتوسع في الكتابة التاريخية، بل وبأن يعكف، على وجه الخصوص، على كتابة ذكرياته، أو لنقل شهادته للتاريخ.

حفّزني المقال على التوقف طويلًا أمام المضمون الأعمق للفرضية التاريخية التي تبناها.

فالنص، وهو مهم كعادة كاتبه، لا يثير نقاشًا حول حدث أو وقائع بعينها فحسب، بل يطرح قضية محورية تتصل بطريقة قراءتنا للتاريخ عمومًا، ولتاريخنا نحن على وجه الخصوص. 

جاء تعليقي الأول، الذي سطرته على صفحته في «فيسبوك»، أن القراءة المتأنية للمقال تفرض سؤالًا لا يجوز المرور عليه مرور الكرام، سؤالًا يستدعي نقاشًا جادًا وانفتاحًا على تعدد زوايا النظر: هل تنتهي الثورات إلى «حكم الفرد» بوصفه قانونًا تاريخيًا، ومصيرًا حتميًا لا فكاك منه؟

تنطلق الفرضية التي يناقشها المقال من تصور شائع في الكتابات التاريخية الكلاسيكية، يرى أن تكرار نمط معين عبر أزمنة مختلفة يكفي لرفعه إلى مرتبة «القانون». 

فحين نلاحظ أن فترات الثورات والاضطرابات الكبرى أعقبتها، في حالات عديدة، عودة إلى الحكم المركزي الصارم، يبدو كأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بصورة شبه آلية. 

غير أن المشكلة هنا لا تكمن في رصد الظاهرة، بل في القفز من الملاحظة إلى التعميم، ومن الوصف إلى الحتمية.

وقد أشار المقال إلى النماذج التي قدّمها ا. ج. جرانت وهارولد تمبرلي في كتابهما (اوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين 1789-1950) لتدعيم هذه الفرضية، من بينها صعود نابليون بعد الثورة الفرنسية، ويوليوس قيصر بعد اضطرابات روما، وأوليفر كرومويل عقب الثورة البيوريتانية.

غير أن مثل هذا التفسير الذي قدماه يُبسّط التاريخ تبسيطًا خطيرًا، إذ يحوّل نتيجة مشروطة بسياق اجتماعي وسياسي محدد إلى ضرورة شبه حتمية.

والحقيقة أن هذه النماذج نفسها تكشف أن «الحكم الفردي» لم يكن نتيجة مباشرة للثورة وحدها، بل حصيلة تفاعل معقّد بين انهيار الدولة القديمة، والحروب، والتدخلات الخارجية، وغياب التوافق الاجتماعي، وأحيانًا الإرهاق الجماعي من طول الصراع.

ولنأخذ مثال صعود نابليون الذي قدّمه جرانت وتمبرلي بوصفه نتيجة طبيعية لـ«قانون تاريخي عام» مفاده أن فترات الاضطراب والثورة تنتهي عادة بحكم فردي قوي. في مقابل ذلك، لا يمكن إغفال ما ذهب إليه كارل ماركس في كتابه «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت»، حين رأى أن صعود الحكم الفردي لا يمثل ذروة منطقية للثورة، بل يعكس فشل القوى الاجتماعية في حسم صراعها السياسي.

وسنكتشف أن «البونابرتية» عند ماركس ليست حلًا للاضطراب، بل تسوية قسرية نشأت من انقسام الطبقات، وتراجع البرجوازية عن الديمقراطية، وعجز الفئات الشعبية عن التنظيم. ومن ثمّ، لا يمكن اعتبار صعود نابليون قانونًا تاريخيًا عامًا، بل ظاهرة مشروطة بانسداد سياسي محدد.

التاريخ، بخلاف العلوم الطبيعية، لا يعمل بقوانين صلبة لا تقبل الاستثناء، بل باتجاهات واحتمالات تتقاطع فيها البُنى مع الإرادات، والظروف مع القرارات. وما يبدو «قانونًا عامًا» قد يكون في حقيقته نتيجة لتشابه السياقات، لا لوجود حتمية تاريخية عمياء. 

وبعبارة أخرى، لم يكن الحكم الفردي ثمرة الثورة بقدر ما كان ثمرة فشل إدارة ما بعدها، وهو فارق جوهري كثيرًا ما يُطمس حين يُختزل التاريخ في مسار واحد متكرر.

تفترض السردية التاريخية التي تبناها المقال أن المجتمعات، حين تُنهكها الفوضى، «تختار» الحكم القوي طلبًا للاستقرار. غير أن هذا الافتراض يخفي مسألة أخطر: هل كان أمام تلك المجتمعات فعلًا خيار سياسي مكتمل؟ أم أن السياسة ذاتها كانت قد أُفرغت من مضمونها، فبدا العنف المنظم هو اللغة الوحيدة القادرة على فرض النظام؟

في لحظات الاضطراب الكبرى، لا تنتقل السلطة إلى «الأقوى» فقط، بل إلى الأكثر تنظيمًا، والأقدر على استخدام أدوات الدولة أو إعادة تشكيلها.

 وهنا لا يكون الحكم الفردي تعبيرًا عن إرادة عامة واعية، بل عن فراغ سياسي ملأته القوة.

نعود إلى المثال العربي ـ الإسلامي الذي استُدعي في المقال، والمتعلق بما بعد «الفتنة الكبرى»، بوصفه دليلًا إضافيًا على حتمية الحكم المركزي، فيستدعي هو الآخر ضرورة الفصل بين قراءة تاريخية تحليلية، وقراءة تبريرية بأثر رجعي. 

فقيام الدولة الأموية لم يكن «حلًا تاريخيًا مثاليًا»، بقدر ما كان تسوية قسرية أنهت الحراك الذي واكب الفتنة وما تلاها، لصالح نموذج قيصري انحاز إليه معاوية، ودشّن في الوقت نفسه نمطًا سياسيًا طويل الأمد، تأسس على «حكم المتغلب»، وتشرعن على تغليب الاستقرار على المشاركة، والطاعة على الشرعية.

وهنا، مرة أخرى، لا يفسر القول بحتمية هذا المسار التاريخ، بل يبرّره، ويغلق الباب أمام السؤال الأهم: هل كانت هناك بدائل أُجهضت، أم لم تُتح لها الفرصة أصلًا؟

وعلى جانب آخر، يُقدَّم المثال السوفيتي غالبًا بوصفه شاهدًا على «نجاح» الحكم الصارم في بناء الدولة بعد الثورة. لكن هذا النجاح، حين يُفحص عن قرب، يكشف كلفة هائلة: سحق المجتمع، وتقديس السلطة، وتحويل الثورة من فعل تحرر إلى جهاز ضبط شامل. الدولة بُنيت، نعم، لكن على حساب السياسة، وعلى حساب الإنسان. 

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل كل دولة قوية هي بالضرورة دولة ناجحة؟ أم أن معيار القوة ذاته يحتاج إلى إعادة تعريف؟

الفرق شاسع بين القول بوجود ميل تاريخي نحو المركزية في أزمنة الاضطراب، وبين تحويل هذا الميل إلى قدر محتوم يُستخدم لإغلاق النقاش. فالفرض الأول توصيف قابل للنقاش، أما الثاني فهو أيديولوجيا متنكرة في ثوب التاريخ. 

وحين تتحول «القوانين التاريخية» إلى أدوات لتخويف المجتمعات من الثورة، أو لإقناعها بأن الحرية ترف مؤقت، نكون قد غادرنا حقل التحليل ودخلنا مجال التبرير.

إن أخطر ما في فرضية «الحكم الفردي كقدر تاريخي» أنها تُحوّل الهزيمة إلى قانون، والاستبداد إلى ضرورة، وتحاول أن تُقنع الأجيال الجديدة بأن السؤال عن الحرية والتغيير لم يكن إلا وهمًا، لا مسارًا مشروعًا للنقاش، بينما الحقيقة أن التاريخ لا يُغلق أبوابه بهذه البساطة، وأن ما لم ينجح مرة لا يتحول تلقائيًا إلى استحالة أبدية.

من هنا تصبح قراءة ثورة يناير من منظور «النهاية الحتمية» قراءة تُسقط النتيجة على البداية، وتُحمّل الفكرة ما لا تحتمل. 

فـ«يناير» لم تفشل لأنها ثورة، بل أُفشلت لأنها ثورة: لأن الدولة العميقة بقيت، ولأن السياسة لم تُستكمل، ولأن ميزان القوة اختل مبكرًا، ولأن الإقليم كله كان يعمل ضد لحظة التحول.

الثورات لا تحمل ضمانات، لكنها أيضًا لا تحمل أحكامًا نهائية. والحكم الفردي، مهما بدا قويًا، يظل عرضًا لأزمة أعمق لم تُحل بعد. 

المجتمعات لا تطلب الاستبداد بوصفه خيارًا واعيًا، لكنها قد تُدفع إليه في غياب البدائل، وتحت وطأة الخوف والعنف. وتحويل هذا الواقع القسري إلى «ميل طبيعي» أو «قانون تاريخي حتمي» هو في جوهره تبرير لا تفسير.

ويبقى السؤال الحقيقي: ليس ما إذا كانت الثورات تنتهي دائمًا إلى حكم الفرد، بل ما إذا كانت المجتمعات تتعلم كيف تمنع هذا الفرد من أن يصبح قدرها الوحيد.
----------------------------
بقلم :  محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

هل «حكم الفرد» هو المصير الحتمي للثورات؟ |
تفكيك فرضية الاستبداد بوصفه نهاية طبيعية للمسار الثوري